شارع الثقافة

مسرحية “شَعلة” لأمينة الدشراوي تقتحم المسكوت عنه في الجامعة التونسية

تونس 22 ماي 2023 (وات) – اقتحمت المخرجة المسرحية أمينة الدشراوي رحاب الجامعة التونسية من منطلق ظواهر مسكوت عنها أهمها التحرش الجنسي الذي بات يؤرق عددا من الطالبات منهنّ من خيّرن الصمت مكرهات بسبب “سلطة” أستاذ هو المحدّد لمصيرهن خلال الموسم الدراسي الجامعي.
وأطلقت المخرجة على عملها الجديد عنوان “شَعلة” وهو من أداء هيفاء الكامل ومنير الخزري وسينوغرافيا علي اليحياوي وإنتاج مركز الفنون الدرامية والركحية بتطاوين. وتمّ تقديم العرض الأول لهذا العمل، مساء السبت 20 ماي بقاعة الفن الرابع بالعاصمة.

واستوحت المخرجة فكرة هذا العمل من مسرحية “الدّرس” لـ “يوجين يونسكو” الّتي عرضت لأوّل مرّة سنة 1951 والتي مازلت تعرض إلى اليوم بمسرح “لاهوشات” بباريس. وتدور أحداث المسرحية في إحدى المؤسّسات الجامعيّة التّونسيّة، حيث تواجه الطالبة “شَعلة” إشكال إخفاقها في مادّة علم الاجتماع مما يؤثّر على نتائجها ويؤدّي إلى رسوبها، فتتجه إلى مكتب الأستاذ في محاولة منها لفهم أسباب هذا الإخفاق فيقترح عليها أن يسند لها الدّرجة الأعلى في حالة موافقتها على العودة إليه بصفة سرية. تثور الفتاة كردّة فعل على هذا الاقتراح الذي يترجم غموض نوايا الأستاذ وخرقه لنظام المؤسسة، وترفع ضدّه شكوى بالتّحرش الجنسي ممّا يفقده منصبه ويؤدّي به إلى الانهيار.

وفي ما يتعلّق بالخصائص الفنية المميّزة لهذا العمل، ارتكزت “شَعلة” على جملة من الثنائيات تراوحت بين الانسجام تارة والمفارقات طورا. وانقسم العرض إلى قسميْن رئيسيْين: ففي الجزء الأوّل الذي جمع الأستاذ بالطالبة، بدا الأستاذ في موضع قوّة وهيمنة يُمارس سلطته بأسلوب “ديكتاتوري” فهو لا يقبل النقاش. وفي المقابل بدت الطالبة في موضع ضعف وانكسار، يسكنها التردّد والخوف من سلطة الأستاذ.

وفي موقف غير منتظر، يُفاجأ الجمهور بانقلاب في الأدوار في الجزء الثاني من العمل، فهذه الطالبة “شَعلة” الخائفة المنكسرة التائهة تحوّلت إلى “شُعلة” متّقدة حرّية وشجاعة، لتُصبح في موضع قوّة بعد أن كسرت حاجز الصمت والخوف وتسلّحت بالشجاعة لتقديم شكاية بالأستاذ المتحرّش الذي أصبح، في المقابل، في موقف ضعف يتوسّلها ويستجديها أن تسحب الشكوى المقدّمة ضدّه، وتحوّلت قوّته وبطشه إلى انكسار.

ومن المفارقات التي انبنت عليها المسرحية، هي ثنائيات “الألم والأمل” و”الشجاعة والخوف” و”الحرية والعزلة”… وهذه الثنائيات المتضادّة تجلّت من خلال أساليب عديدة منها النص والسينوغرافيا ولعب الممثلتين على الركح ، وكذلك من خلال الإضاءة والسخرية السوداء وغيرها. فهذه المواقف المتناقضة بين الأستاذ والطالبة ترجمها أيضا الاختيار الجمالي لهذه الكتابة الركحية المتمثّل في العناصر السينوغرافية المكوّنة للعرض، وهو ما أضفى على العرض جمالية بصرية من حيث الشكل، وعمقا من حيث المحتوى.

والملفت لانتباه الجمهور في هذا العمل هو الإيقاع العام للعرض الذي بدا متمرّدا على ماهو كلاسيكي، فمشاعر الألم والانكسار والضعف للطالبة وما قابلها من مشاعر الغضب العنف والتسلّط للأستاذ… جسّدها الممثلان على الركح بإحساس باطني عميق، فكان الأداء فيه الكثير من الصدق، وغابت مظاهر القسوة والعنف الخارجي على لعب الممثلتين على الركح. كما لم يكن الصراع مباشرا وخفيّا بين الشخصيتيْن فحسب، بل إن هذا الصراع كان أيضا بين الشخصية والذات سواءٌ بالنسبة إلى الطالبة أو الأستاذ، وهو ما يعكس حالة التمزّق التي تعيشها كلّ شخصية مع الذات وهو صورة للحالة النفسية لكليهما.

وانطلاقا من هذه الخصائص الفنية، ألقت أمينة الدشراوي الضوء على قضايا مسكوت عنها في الحرم الجامعي، وهي التحرّش الجنسي بدرجة أولى. ولذلك هي تكسر حاجز الصمت الذي يكبّل الطالبات اللاتي يتعرّضن لهذا الاعتداء والذي يعود لأسباب كثيرة منها انتماءهنّ لمجتمع محافظ. وهي دعوة صريحة من المخرجة لكلّ الطالبات المنتميات لمجتمع محافظ أن يكسرن حاجز الخوف لمقاومة هذه الظاهرة المسكوت عنها